sezame مجتمع
طباعة
في فبراير2005 حصلت السيدة عائشة الشنا رئيسة جمعية «التضامن النسائي» على جائزة «إليزابيث نوغال لسنة 2005» التي تمنحها المؤسسة الألمانية «أنترناشيونال وومنز كلوب أوف فرانكفورت» (نادي النساء العالمي بفرانكفورت) تقديرا لما تقوم به من أعمال اجتماعية بالدار البيضاء بتقديمها المساعدة القانونية والمادية والنفسية لما يصطلح عليه بـ«الأمهات العازبات».

في فبراير2005 حصلت السيدة عائشة الشنا رئيسة جمعية «التضامن النسائي» على جائزة «إليزابيث نوغال لسنة 2005» التي تمنحها المؤسسة الألمانية «أنترناشيونال وومنز كلوب أوف فرانكفورت» (نادي النساء العالمي بفرانكفورت) تقديرا لما تقوم به من أعمال اجتماعية بالدار البيضاء بتقديمها المساعدة القانونية والمادية والنفسية لما يصطلح عليه بـ«الأمهات العازبات».

تضم جمعية «التضامن النسائي»، في حي النخيل بالدار البيضاء، عشرات من «الأمهات العازبات»، وهو مصطلح يقصد به النساء اللواتي أنجبن أطفالا خارج مؤسسة الزواج الشرعي بمحض إرادتهم أو اللواتي تعرضن للاغتصاب إلا أن الشنا تفضل استعمال مصطلحي «النساء المتخلى عنهن» أو «النساء في وضعية صعبة» بدل مصطلح «الأمهات العازبات» لأن الأم في منظومتنا وتقاليدنا لا تكون إلا زوجة.
نصف قرن -تقريبا- من عمر الشنا أنفقته على العمل الخيري، لكن تجربتها المثيرة ابتدأت مع قيادتها لـ «جمعية التضامن النسائي» التي تأسست بالدار البيضاء سنة 1985 لمساعدة «الأمهات العازبات» و «الأطفال المتخلى عنهم».
أول ما يتبادر إلى الذهن قبل اللقاء بعائشة الشنا ما يقوله خصومها عنها، حيث «يتهمون» الجمعية بكونها تشجع الرذيلة بسبب احتضانها لما يصطلح عليه لدى المجتمع بـ «النساء الزانيات». ولهذا السبب حاولنا أن نستطلع آراء الشنا بخصوص هذه المزاعم.

بداية نشير إلى أنه كلما ذكرنا الشنا بمؤاخذة من مؤاخذات «الخصوم» إلا وأثثت أجوبتها بالحوقلة (لا حول ولا قوة إلا بالله) والتعوذ من الشيطان... ولا يخلو كلامها من ذكر لآيات قرآنية وكلمات تحيل على الدين. بل إن الشنا تعتبر ما تقوم به من أعمال نابعا من غيرتها على دينها ووطنها. لأن هؤلاء النساء -في رأيها- هن ضحايا المجتمع والقانون. وهؤلاء الأطفال الذين تفضل الشنا أن تسميهم «الأطفال المتخلى عنهم» أو «الأطفال في وضعية صعبة»، بدل مصطلحات: «اللقطاء» أو «أولاد الزنا» أو «أطفال الشوارع، لم يختاروا «المجيء» إلى الدنيا، إنما جاؤوا إليها نتيجة علاقات عابرة، وغير شرعية، أو اغتصاب، أو وعود بالزواج...!!
والجمعية، كما تقول الشنا، ظهرت إلى الوجود بعد -وليس قبل- أن استفحلت ظاهرة «الأمهات العازبات»، وبعد أن لاحظت -كما تقول- أن الأطفال المتخلى عنهم يموتون بالعشرات في المراكز الخيرية!
ولهذه الاعتبارات كلها فإن الشنا تدافع عن مسارها في العمل بكونها تتعامل مع ظاهرة موجودة أصلا، وهذا ليس معناه -في رأيها- أنها تشجع الفتيات على الرذيلة.
هذه المرأة اقتحمت مجالا محفوفا بالأشواك، ودشنت تجربة هي الوحيدة والأولى في العالم الإسلامي، والكل يعلم أن ما يصطلح عليه بـ«الأمهات العازبات» يقتلن في بعض دول العالم الإسلامي فيما بات يعرف بـ«جرائم الشرف»، فكيف إذا تعلق الأمر بامرأة تحتضن هؤلاء النساء وتقدم لهن الخدمات من كافة الأشكال!



قبل الالتقاء بالشنا ترسخ في الذهن اعتقاد مفاده أن هذه المرأة مؤمنة بالنموذج الغربي الميال بشكل كبير إلى إعطاء الحرية المطلقة للمرأة بما فيها الحرية الجنسية، والنـزاع إلى التمرد على الأسرة! لكن وجدنا الشنا على وعي تام بالفروق الكبيرة بين البيئة المغربية والبيئة الغربية، وبالتالي فإنه -كما تقول- لا يمكن تبيئة النموذج الأخلاقي الغربي في تربتنا المغربية. تقول الشنا: ليس من حق المجتمع أن يتصرف كيفما شاء بدعوى أننا في 2006.. رغم كل شيء نبقى مجتمعا مغربيا مسلما. وتوضح الشنا بأنها ضد الحرية الجنسية وضد العلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج الشرعي، وبأنها مع التماسك الأسري. بل إن حرصها على هذا التماسك هو الذي جعلها تبذل جهدا كبيرا في سبيل أن يتعرف الابن على «أبيه البيولوجي» وحتى لا تختلط الأنساب فيتم السقوط في «زنا المحارم».
لكن هل يقتصر عمل الشنا على احتضان هذا الصنف من النساء أم أن عملها يتجاوز الاحتضان؟ تقول الشنا: شعارنا في الجمعية «الوقاية خير من العلاج». بمعنى آخر، أنه إضافة إلى المساعدة القانونية والاقتصادية والنفسية التي تقدم للنساء هناك عمل آخر يتعلق بتحسيس النساء بخطورة العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج. من جهة أخرى، ولبيان خطورة استفحال ظاهرة «الأمهات العازبات» أجرت «جمعية التضامن النسائي» دراسة على عينة من 590 حالة، من شهر أكتوبر 2003 إلى شهر شتنبر 2004 فتبين أن 26 % وقعن في الحمل ما بين 14 سنة و 20 سنة، و50.4 ما بين 21 و29 سنة. وأن 71 % من هؤلاء «الأمهات العازبات» أميات. وأن 40 % خادمات في البيوت، 31 % عاملات.
لا تدعي الجمعية، تقول سومية عيضمن (مساعدة اجتماعية في الجمعية)، أنها تقدم حلولا للحالات التي تفد عليها. لكن عملها بالأساس يتوجه إلى تسهيل المساطر القانونية والإدارية، خاصة ما يتعلق بتسجيل الأولاد في الحالة المدنية. كما تعمل على إدماج الأمهات وأطفالهن في عائلاتهن. ولقد تمكنت الجمعية من جعل الآباء يعترفون بأولادهم فيسجلونهم في الحالة المدنية، بل إن بعض «الآباء» لم يقتصروا على الإقرار بالبنوة إنما فضلوا الزواج بأمهات أولادهم. ففي سنة 2005 اعترف 68 أب بأطفالهم؛ 17 منهم فضلوا الاعتراف مع الزواج، بينما أقر 51 منهم بالبنوة فقط.
تمضي «الأمهات العازبات» ثلاث سنوات داخل الجمعية، وهي مدة كافية لتأهيلهن من أجل اكتساب مجموعة من المهن كالخياطة والطبخ... هذه المهن تمكنهن من الانخراط الطبيعي في سوق الشغل. وتكلف كل «أم» الجمعية 3500 درهم -تقريبا- شهريا، وهو مبلغ يصرف على تسديد تكاليف الروض المفتوح لأولادهن وعلى المستلزمات الأخرى المتعلقة برعاية «الأمهات» و«أولادهن». وتعتمد الجمعية في مواردها على مداخيل المطعم الذي فتحته في وجه عموم الناس، وكذلك على المساعدات الإنسانية التي تقدم لها.

ختاما، نشير إلى أن الجمعية -رغم كل ما يقال في تقييم عملها- استطاعت أن تقدم خدمة لم يستطع الكثير من الفاعلين السياسيين والجمعويين تقديمها للمواطن المغربي، واختارت أن تشتغل في مجال حساس محفوف بكثير من المخاطر. لكن ما يجعل الشنا والعاملات في الجمعية يمضين قدما في طريقهن هو ما يحققنه من إنجازات على المستوى العملي. فيكفي أن نعرف -كما تقول الشنا- أن من بين الأطفال الأوائل الذين استفادوا من خدمة الجمعية شابا حصل على الإجازة مؤخرا في شعبة الأدب الإنجليزي وبتفوق، ولم يكن -كغيره من أبناء الفئات الميسورة- يلجأ إلى دروس التقوية لتحسين مستواه الدراسي... وهو شاب -والكلام لعائشة الشنا- رزق جمال الصورة وجمال الصوت وجمال الأخلاق.